ابن العربي
110
أحكام القرآن
إلى غاية هي الإيمان ؛ فلذلك قال ابن الماجشون وابن وهب : لا تقبل من مشركي العرب جزية . وقال سائر علمائنا : تؤخذ الجزية من كلّ كافر ؛ وهو الصحيح . وسمعت الشيخ الإمام أبا على الرفاء بن عقيل الحنبلي إمامهم ببغداد يقول في قوله تعالى « 1 » : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [ 59 ] ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ : إنّ قوله تعالى : « قاتلوا » أمر بالقتل . وقوله تعالى : الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ سبب للقتال . وقوله تعالى : وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلزام للإيمان بالبعث الثابت بالدليل . وقوله تعالى : وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بيان أنّ فروع الشريعة كأصولها وأحكامها كعقائدها . وقوله تعالى : وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أمر بخلع الأديان كلها إلّا دين الإسلام . وقوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ تأكيد للحجة ، ثم بيّن الغاية وبيّن إعطاء الجزية . وثبت أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر . خرّجه البخاري وغيره . وقال المغيرة بن شعبة في قتاله لفارس : إن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللّه وحده ولا تشركوا به شيئا ، أو تؤدّوا الجزية - وقال النبىّ عليه السلام لبريدة « 2 » : ادعهم إلى ثلاث خصال . . . وذكر الجزية . وذلك كلّه صحيح . فإن قيل : فهل يكون هذا نسخا أو تخصيصا ؟ قلنا : هو تخصيص ؛ لأنه سبحانه أباح قتالهم وأمر به حتى لا يكون كفر . ثم قال تعالى : حَتَّى يُعْطُوا « 3 » الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ؛ فخصّص من الحالة العامة حالة أخرى خاصة ، وزاد إلى الغاية الأولى غاية أخرى ، وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه . وقال في حديث آخر : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة . ثم ذكر في حديث آخر الصوم والحجّ ، ولم يكن ذلك نسخا ، وإنما كان بيانا وكمالا . وكذلك لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية 29 ( 2 ) هكذا في ا ، ول : وفي م : يزيد . ( 3 ) يعطوا : يؤدوا ويقدموا .